الذهبي
39
الأمصار ذوات الآثار
والتتار ، وتفانوا في الدفاع عن أنفسهم وديارهم ، ثم انجلت المعركة عن هزيمة التتار ، وقتل قائدهم ، ومعظم جندهم . وقد أبلى الملك المظفر قطز ، وقائد جيشه بيبرس البندقداري بلاء حسنا ، وقد تولى بيبرس مع طائفة من الشجعان تتبع فلول التتار في بلاد الشام والروم فأخرجوهم من حلب ، واستردوا منهم مملكة الروم السلجوقية في آسيا الصغرى ، وأصبحت تلك الديار تابعة لسلطان مصر الملك المظفر الذي جعله اللّه سبحانه قذى في أعين التتار ، وشجا في حلوقهم . وبعد مقتل قطز عند عوده من الشام إلى مصر ، تولى زمام الملك ، الملك الظاهر بيبرس البندقداري . وفي هذا الوقت أخذ ملك التتار هولاكو يعد العدة للانتقام من المسلمين لما حل بجنده ، ولاسترداد بلاد الشام إليه ، فأرسل طائفة من جنده ، فدخلت حلب ، وقتلت معظم أهلها ، لكن الملك الظاهر حال دون تقدمهم . كما أرسل حملة أخرى ، فالتقى معهم أصحاب حلب ، وحماة ، وحمص بجنودهم في شمالي حمص ، فكانت الدائرة على التتار ، حيث هزموا ، وارتدوا على أعقابهم خاسئين ، بعد قتل وأسر الكثير منهم . ثم أرسل هولاكو طائفة إلى الموصل ، فحاصرتها ، ثم دخلتها ، ووضعت السيف في رقاب أهلها . وقد أوقع اللّه سبحانه وتعالى العداوة والبغضاء بين ملوك « 1 » التتار
--> ( 1 ) لقد كان للتتار ثلاث ممالك ودول ، فدولة في أقصى الشرق وحاضرتها بكين ؛ ودولة في الشّمال وحاضرتها سراي وملكها في عهد هولاكو هو ابن عمه بركه خان بن صائن بن دوشي بن جنكيز خان المتوفى سنة 665 الذي دخل في دين الإسلام ؛ ودولة في بلاد الإسلام الشرقية وهي تمتد من خراسان شرقا إلى ديار بكر غربا ، وتضم خراسان ، وبلاد الجبال ، والعراق ، وأذربيجان ، وخوزستان ، وفارس وبلاد الروم ، وغيرها ، وكان هولاكو هو ملك تلك الديار بعد آبائه ، ودام حكمه 10 سنين ، حتى أهلكه اللّه على دينه الفاسد سنة 663 .